تزخر تهامة بإرث فني غني يشكل أحد أهم ملامح هويتها الثقافية، وتأتي الرقصات الشعبية التهامية في مقدمة هذا الموروث، بوصفها لغة جسدية تعبّر عن تاريخ الإنسان التهامي، وعلاقته بالأرض، ومفهومه للحياة والقوة والفرح.
الرقص بوصفه هوية
لا تُعد الرقصات الشعبية في تهامة مجرد حركات إيقاعية، بل هي منظومة رمزية تحمل دلالات اجتماعية وتاريخية وروحية. فقد شكّلت عبر الزمن وسيلة لتوثيق حياة المجتمع، وطقوسه، وقيمه، تمامًا كما تفعل اللغة أو العادات والتقاليد.
ويرى باحثون في التراث الشعبي أن الرقصات التهامية تمثل «علامة هوية» تميز الإنسان التهامي عن غيره، إذ تنبع من بيئته الطبيعية، وتتشكل حركاتها من إيقاع الأرض، والبحر، والعمل الزراعي، والحياة القبلية.
تنوع لافت وثراء فني
تتميّز تهامة بتنوع كبير في رقصاتها الشعبية، حيث يُقدّر عددها بعشرات الرقصات التي تختلف في:
الإيقاع
طريقة الأداء
الطقوس المصاحبة
الدلالات الاجتماعية
وتُعرف بعض هذه الرقصات بكونها رقصات حركية قتالية، وأخرى احتفالية تُؤدّى في الأعراس والمواسم الزراعية، فيما تجمع بعض الرقصات بين الطابعين معًا.
رقصات قبيلة الزرانيق
تُعد قبيلة الزرانيق من أبرز القبائل التهامية التي حافظت على رقصاتها التقليدية، ومن أشهرها:
رقصة الحقفة

رقصة التسيف

رقصة الحمري
وهي رقصات تتسم بالقوة والسرعة والدقة، ويؤدّيها الراقصون على إيقاع الطبول (المرافع) وصوت القصبة (الناي)، وغالبًا ما تكون مصحوبة بحركات تحاكي المواجهة القتالية، ما يعكس خلفيتها التاريخية المرتبطة بالشجاعة والاستعداد والدفاع.
الطقوس والأداء الجماعي
تُؤدّى الرقصات التهامية عادة في فضاء مفتوح، حيث:
يتشكل الراقصون في صفوف أو دوائر
يتفاعل الجمهور مع الأداء بالتصفيق والهتاف
يتصاعد الإيقاع تدريجيًا حتى يبلغ ذروته
ويخلق هذا المشهد حالة من التوحد بين الراقصين والجمهور، في تجربة جماعية تعزز الشعور بالانتماء والتلاحم.
بين الفرح والحرب
رغم أن الطبيعة التهامية تميل إلى الفرح والبساطة، فإن كثيرًا من رقصاتها تحمل جذورًا حربية، نشأت في سياق تاريخي اتسم بالصراع والدفاع عن الأرض. ومع مرور الزمن، تحوّلت هذه الرقصات إلى طقوس فنية تؤدى في المناسبات الاجتماعية، محتفظة بروحها القتالية ولكن في إطار احتفالي.
حضور عالمي وتراجع محلي
شهدت بعض الفرق التهامية في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي مشاركات فنية خارج اليمن، وقدّمت عروضًا على مسارح دولية، ما يعكس القيمة الفنية العالية لهذا التراث. غير أن هذا الحضور تراجع لاحقًا، وباتت الرقصات التهامية مهددة بالاندثار نتيجة:
غياب الدعم الرسمي
ضعف التوثيق
الظروف الاقتصادية والاجتماعية
ابتعاد الأجيال الجديدة عنها
ضرورة التوثيق والحماية
يؤكد المهتمون بالتراث أن الحفاظ على رقصات تهامة يتطلب:
توثيق كل رقصة ودراسة دلالاتها
دعم الفرق الشعبية الأصيلة
إدراج هذا الموروث ضمن التراث الثقافي غير المادي
تنظيم مهرجانات وفعاليات تراثية مستدامة
فخسارة هذه الرقصات تعني فقدان جزء أصيل من ذاكرة تهامة والهوية الثقافية اليمنية.